مجد الدين ابن الأثير
56
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو بكر الرّازيّ : كنت عند ممشاذ الدّينوري ، فجرى حديث الدّين ، فقال لي : كان عليّ دين ، فاشتغل قلبي به ، فرأيت في المنام كأنّ قائلا يقول لي : يا بخيل ، أخذت علينا هذا المقدار خذ ، عليك الأخذ وعلينا العطاء . فما حاسبت بعد ذلك قصّابا ، ولا بقّالا ، ولا غيرهما . وقال : منذ علمت أنّ أحوال الفقراء جدّ كلّها لم أمازح فقيرا ، وسبب ذلك أنّ فقيرا جاءني قادما عليّ ، فقال لي : أيّها الشيخ ، أريد أن تتخذ لي عصيدة . فجرى على لساني : إرادة وعصيدة ؟ ! . فتأخّر الفقير ، ولم أشعر ، ثم أمرت باتّخاذ عصيدة ، وطلبت الفقير فلم أجده ، فتعرّفت خبره ، فقيل لي : إنّه انصرف من فوره ، وكان يقول في نفسه : إرادة وعصيدة ! إرادة وعصيدة ! . وهام على وجهه ، حتّى دخل البادية ، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتّى مات رحمه اللّه « 1 » . وروي أن جماعة من الصوفية اجتمعوا في دار الحسين القزّاز ، ومعهم قوّالون يقولون ويتواجدون ، فأشرف عليهم ممشاذ ، فسكتوا ، فقال : ارجعوا إلى ما كنتم فيه ، فلو جمع ملاهي الدّنيا في أذني ما شغل همّي ، ولا شفى بعض مابي . وقال أبو عمرو الدّينوريّ : كنّا عند شيخنا ممشاذ يوما ، فجاءه إنسان خياط ، وسأله أن يجيء هو ومن عنده « 2 » من الفقراء إلى دعوته . فقال له ممشاذ : إنّ الفقراء ليس يرضون بوكالتك ، بل لو كنت ممّن توكّلت لهم بالأسباب ، رضوا بك ، فلا تجعل بينك وبينهم سوقا فيما الحكم فيه إلى غيرك . فقال إنسان بصري كان حاضرا : يا سيدي ، هاهنا من قد أشكل عليه كلام الشّيخ لهذا الرجل . فقال ممشاذ : نعم ، هذا رجل كان معنا يصاحب
--> ( 1 ) طبقات الأولياء 289 . ( 2 ) في ( ب ) : معه .